22 أكتوبر, 2009

من مواضيعى القديمة.. قطعة من أوروبا


أردت الحديث عن رواية "فرج" أحدث إبداعات الدكتورة رضوى عاشور ولكنى وجدتنى أكتب عن روايتها "قطعة من أوروبا " التى صدرت طبعتها الأولى عام 2003 وهذا ليس نقدا للرواية فأنا لست ناقدة ولكنها مجرد محاولة للحديث عن هذه الرواية التى لا أستطيع أن أصفها بأنها رواية عادية ومن يتعامل معها من هذا المنطلق فسوف يظلمها، هى ليست رواية بالمعنى المعروف فهى لا تبدأ بحدث ثم يستمر تصاعد هذا الحدث وتستمر عملية تشويق القارىء حتى يصل إلى نقطة الذروة وبعدها يكتشف رويدا رويدا الكثير مما كان خافيا عليه حتى يصل إلى نهاية الرواية .
ولكنها أيضا رواية ففيها بطل هذا البطل اختارت له الكاتبة صفة الناظر فهو من خلال نظره إلى زمانه ومكانه يحكى لنا حكايته والاهتمام بالزمان والمكان شىء واضح فى هذه الرواية كما هو واضح فى جميع روايات الكاتبة .
يبدأ الناظر حكايته بالحديث عن الخديو إسماعيل الذى سافر إلى أوروبا أول مرة لتلقى العلاج وانبهر بها وسحرته وأراد أن تصبح مصر على يديه قطعة من أوروبا التى ذهب إليها آخر مرة منفيا بعد أن طرد من مصر .
والراوى ولد عام 1937 زمن حكم فاروق فى وسط البلد أو ما كان يطلق عليها القاهرة الرومية ويحكى لنا ما عاشه فى سنوات طفولته وشبابه يحكى عن حريق القاهرة الذى رأى هو أنه لم يكن مدبرا من الملك بل كان تعبيرا عن غضب الشعب فى حين رآه والده الوفدى مؤامرة من الملك للتخلص من النحاس ومن حكومة الوفد . ويحكى عن زواجه وإنجابه لثلاث بنات وانفصاله عن زوجته ويتحدث عن اليهود فى مصر فى ذلك الوقت , يتحدث عن شيكوريل وعدس وشملا وقطاوى وشبرد وكل هذه الأسماء اليهودية التى كانت تشكل كيانات اقتصادية شهيرة فى ذلك الوقت ويذكر لنا أن أول علم للصهاينة يرفع على أسوار القدس كان من صنع شيكوريل .
يتنقل الناظر بين الماضى والحاضر يحكى قليلا عن نفسه ويستطرد فى الحديث عن زمانه ومكانه , يشعر بغصة حين يتذكر سؤال حفيدته له " ماذا صنعتم يا جدى , كيف أوصلتمونا إلى ما نحن فيه ؟ "
يحكى عن موت عبد الناصر الذى ترك فيه أثرا كبيرا " أعترف أننى لم أغفر له , داهمنى موته وأنا مشتبك معه أسائله بقسوة ماذا تفعل لو داهم الموت والدك فى لحظة شجار ارتفع فيها صوتك عليه وأنت مشتبك ساخط محتقن ومتحفز ثم تراه فجأة ساكنا بين يديك ؟ " ويبدو هنا إحساسه بعبد الناصر كإحساس معظم أبناء جيله به فقد رأوا فى عبد الناصر الأسطورة التى جسدت لهم كل ما تمنوه ورأوا فيه البطل الغير مسموح له بالسقوط ولكنه سقط وحين سقط لم يكن وحده حيث سقطوا جميعا معه .
يحكى لنا الناظر عن محمود الذى عرفه صبيا صغيرا وامتدت العلاقة بينهما إلى أن أصبحت صداقة ومحمود واحد من أبناء هذا الجيل وتتضح شخصيته من خلال هذا الحوار الذى يدور بينه وبين الناظر
- محمود : لا تطالبنى أن أغنى" مصر التى فى خاطرى وفى فمى " و " لبيك يا علم العروبة " وأنا أسكن فوق السطح ولا أملك وقد تخرجت بامتياز التفكير مجرد التفكير فى الانتقال من السطح واستئجار شقة من حجرتين لأتزوج فيها
- الناظر : ومع ذلك كله لم تبع نفسك ...
- محمود : ... ومع ذلك كله لا أضمن نفسى لأن أحدا لم يعد يضمن نفسه
وحوار الناظر هنا مع محمود جعله يشعر أن محمود بل جيله بأكمله يريد أن يحرمه من الأمل , ربما ولكنه لم يسأل نفسه من المسؤول عن فقدان محمود وجيله لهذا الأمل الذى يتحدث عنه
ينتقل الناظر للحديث عن نشأة الحركة الصهيونية فى مصر ويذكر أن أول جمعية صهيونية تأسست بمصر كانت جمعية تسمى باركوخبا أما آخرها فكانت جمعية أبناء هرتزل التى تأسست عام 1913 ويتذكر المجازر التى ارتكبها الصهاينة فى بلادنا ثم يتذكر مسرحية الملك لير ويتساءل : " هل كان لير فى الرابعة والخمسين من عمره حين هبت العاصفة كنت فى الرابعة والخمسين أفتقد الدقة لم تكن عاصفة واحدة كنت فى الثلاثين وكنت فى الخامسة والأربعين وكنت فى التاسعة والأربعين وكنت فى الرابعة والخمسين والآن يتعين على وأنا فى الخامسة والستين أن أواجه العاصفة من جديد " " أين لير من كل تلك العواصف " " هل تبادلنى أيها الملك المسرحى حياة بحياة ؟ أعطنى جحود ابنتيك وخذ بحر البقر والعامرية وقانا وجنين لا لن أعطيها لك هى حكايتى اذهب بعيدا يا ملك المسرح لم تعرف من الألم شيئا "
ثم ينتقل الناظر إلى الحديث عن الانتفاضة الثانية ويتحدث عن فارس عودة ذلك الصبى الذى قتله الجنود الإسرائيليون بعد أن كان يتصدى لدباباتهم وهو ممسك بحجر فى يده ويرقص الدبكة ويغنى " لو كسروا عظامى مش خايف لو هدوا البيت مش خايف " يمتلىء الناظر بالحماس بعد رؤيته للصغار الذين يتصدون للدبابات ليؤكدوا أن الدم لا يذهب هباء ولكن مرة أخرى يأتى محمود بكل ما يحمله من إحباط جيله ليقول له أن الدم يذهب هباء حين لا تتحقق نتائج التضحيات ويعيده كلام محمود هذا إلى سؤال حفيدته " كيف أوصلتمونا إلى ما نحن فيه ؟ "
ومرة أخرى يعود الناظر لإسماعيل وقاهرته التى قصد لها أن تكون قاهرة أوروبية ليس لها علاقة بالقاهرة الأخرى المختبئة خلفها ثم ينتقل للحديث عن قاهرة الضباط الأحرار وعن أحيائها ومبانيها عن مدينة نصر والمهندسين وشارع البطل أحمد عبد العزيز الذى يحمل اسم أول شهيد منهم فى حرب 1948
يختتم الناظر حكايته بالحديث عن محمد الدرة وهو ليس الشهيد محمد الدرة ولكنه شقيقه الذى ولد بعد استشهاده فى 29 نوفمبر 2002 وأسماه والده محمد ولعله بذكره لمولد محمد الدرة أراد أن يؤكد لنفسه ولنا أن الشهداء لا يموتون ليس فقط لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ولكن لأن فى موتهم حياة لغيرهم ولأنه إذا مات واحد فسيولد بعده عشرات يحملون قضيته ويستمدون من استشهاده القوة التى سوف تدفعهم لمواصلة نضالهم حتى يتحقق لهم النصر.
وفى نهاية الحكاية فقط ندرك أن الناظر مازال متفائلا ولم يفقد الأمل والدليل هو هذه الكلمات التى ختم أو لم يختم بها حكايته :
" لم تنته بعد حكايتى غدا أذهب لزيارة أبى الهول , طلسم الرمل فى قول المقريزى أتأمل وجهه , أتأكد أنه مازال محتفظا بمسحة البهاء على وجهه كأنه يضحك أو يبتسم , أتمم على طلسم الرمل ثم أعود إلى بيتى لأواصل الكتابة فمازلت كباقى خلق الله أسعى إلى تجنب الموت , إن استطعت إلى ذلك سبيلا . "

0 التعليقات:

إرسال تعليق