رِثَــــــــــــاءُ مُحَمَّــــــــــــــــدْ
(رثاء الدكتور محمد السيد سعيد رحمه الله)
تَعَوَّدْتُ أَرْثِي الكِرَامْ ...
وشِعْري إِذَا مَا رَثَيْتُ يُجَمِّعُ كُلَّ دُمُوعِ المُحِبِّينَ في دَمْعَةٍ مِنْ كَلامْ ...!
تَعَوَّدْتُ أَعْجِنُ دَمْعَ الرِّثَاءِ بِطِينِ الهِجَاءِ
وأَقْذِفُهُ لقُصُورِ الظَّلامْ ...
تَعَوَّدْتُ مَعْ كُلِّ مَوْتٍ – كَمَا تَعْلَمُونَ – أُسَائِلُ نَفْسِي
عَنِ السِّرِّ في قِصَرِ العُمْرِ لابْنِ الحَلالِ
وطُولِ التَّمَدُّدِ لابْنِ الحَرَامْ ...!
تَعَوَّدْتُ مَعْ كُلِّ مَوْتٍ أرى الأَمْرَ قَتْلاً صَريحًا يُطَالِبُنَا بانْتِقَامْ
أَنَا نَائِبٌ عَنْكُمُو حينَ أبْكِِي قَريضًا يُؤَدِّي إلى الرَّاحِلينَ السَّلامْ ...
أَنَا نَائِبٌ عَنْكُمُو حينَ أهْجُو الذينَ يَزيدُ بِهِمْ مَوْتُنَا
ويَطُولُ بتَقْتيلِنَا عُمْرُهُمْ في كَرَاسِيِّ حُكْمِ الإِمَارَةِ
رَغْمَ جَميعِ الأَنَامْ ...
أَنَا نَائِبٌ عَنْكُمُو حينَ أَشْحَذُ سَيْفَ الهِجَاءِ بمِبْرَدِ فَنِّ الرِّثَاءِ
لنُظْهِرَ للرَّاحِلينَ طُقُوسَ احْتِرَامْ ...
فَلا يَعْجَبَنَّ كَريمٌ مِنَ الكُرَمَاءِ بخَلْطِ الرِّثَاءِ الرَّقيقِ
بِبَعْضِ الهِجَاءِ الصَّفِيقِ
فَذَلِكَ فَنٌّ جَديدٌ
أُسَجِّلُهُ اليَوْمَ باسْمِ الكِرَامِ بِأَرْضِ الكِنَانَةِ جَهْراً كَبَدْرِ التَّمَامْ ...
ولَسْتُ المُخَيَّرَ في كُلِّ ذَاكَ
ولكِنَّنِي قَدْ نُدِبْتُ لكَيْ أَتَسَاءَلَ مَعْ كُلِّ مَوْتٍ
لماذَا يَمُوتُ بِمِصْرَ الذينَ نُريدُ لَهُمْ أَنْ يَعِيشُوا
ويَبْقَى اللِّئَامْ ...؟
* * *
إذا كَانَ مِنْ أَهْلِ الخَنَا مَنْ تُخَاصِمُـــــــــهْ
لَعَمْرُكَ لَنْ تُجْدي الكَريمَ مَكَارِمُــــــــــــــــهْ
ولَيْسَ بعَيْبٍ أَنْ تَرَى الكَلْبَ حَاكِمـــــــــًا
بَلِ العَيْبُ تَلْقَى الشَّعْبَ لَيْسَ يُقَاوِمُـــــــهْ
بِمِصْرَ يَمُوتُ المَوْتُ والشَّعْبُ خَالـــــــــــــــــدٌ
فَتَبْقَى لَهُ الحُسْنَى وتُنْسَى هَزَائِمُــــــــــــــهْ
سِوَانَا يَهَابُ المَوْتَ حينَ يَــــــــــــــــــــــــــــزُورُهُ
ونَحْنُ يَفِـرُّ المَوْتُ حينَ نُدَاهِمُـــــــــــــــــــــــــــــهْ
بمِصْرَ يَعيشُ الشَّعْبُ قصَّةَ خُلـْـــــــــــــــدِهِ
ويَهْلِكُ في قَصْرِ الخِيَانَةِ حَاكِمُــــــــــــــهْ
فَيَبْقَى برَغْمِ الدَّهْرِ طِيبُ فِعَالِنَــــــــــــــــــا
وحَاكِمُنَا بالخِزْيِ تَبْقَى جَرَائِمُـــــــــــــــــهْ
ويَنْفُذُ أَمْرُ الدَّهْرِ في كُلِّ أُمَّــــــــــــــــــــــــةٍ
ونَحْنُ مَعَ الدَّهْرِ الفَقيرِ نُسَاوِمُـــــــــــــــــــــهْ
ويَنْفُذُ حُكْمُ المَوْتِ خَارِجَ أَرْضِنَــــــــــــــــــا
وفي مِصْرَ أَهْرَامُ الجُدُودِ تُحَاكِمُــــــــــــــــهْ
نُعَلِّمُ أحْفَادَ الحَفيدِ صُمُودَنَــــــــــــــــــــــــــــا
وتُنْقَلُ مِنْ جَدِّ الجُدُودِ عَظَائِمُـــــــــــــــــــــــهْ
تَزيدُ بِدَرْبِ الحَقِّ فينَا فَضَائِـــــــــــــــــــــــلٌ
وحَاكِمُنَا بالسُّحْتِ زَادَتْ دَرَاهِمُــــــــــــــــــهْ
فَيَرْفَعُ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ بِمَالِــــــــــــــــــــــــهِ
وللشَّعْبِ صَرْحٌ لا تُهَزُّ دَعَائِمُـــــــــــــــــــــــــــــــهْ
وإِنَّا لَشَعْبٌ يَهْزِمُ الظُّلْمَ صَبْــــــــــــــــــــــــرُهُ
يُطَاوِلُ أَيُّوبًا بهِ ويُعَاظِمُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــهْ
فَيَصْبِرُ إِنْ كَانَ النَّفيرُ مَذَمَّــــــــــــــــــــــةً
ويَضْرِبُ إِنْ كَانَ الزَّمَانُ يُوَائِمُـــــــــــــــــــــــهْ
فَكُنْ مِثْلَ حَدِّ السَّيْفِ في غِمْدِ فَارِسٍ
يُسَالِمُ كُلَّ النَّاسِ حينَ تُسَالِمُـــــــــــــــــــــهْ
وكُنْ مِثْلَ حَدِّ السَّيْفِ يُشْرِقُ قَاتِــــلاً
إذا جَاءَ رِعْدِيدُ الظَّلامِ يُهَاجِمُــــــــــــــــــــــــهْ
بِمِصْرَ تَرَى شَعْبًا يُؤَدِّبُ حَاكِمـــــــــــًا
يُجَادِلُهُ حينًا و حينًا يُشَاتِمُـــــــــــــــــــــــــــــــهْ
نُخَلِّدُ حُكَّامًا ، ونَقْتُلُ بَعْضَهُـــــــــمْ
وكُلٌّ بذي الدُّنْيَا لَهُ مَا يُلائِمُــــــــــــــــــــــــهْ
تَرَانَا كَخَيْلِ العِزِّ إِنْ هَبَّ جَامِحًـــــــــا
عَلى سَقْفِ قَصْرِ الظُّلْمِ دَبَّتْ قَوَائِمُـــــــــهْ
نُسَايِرُهُ بالصَّمْتِ ثُمَّ نَجُــــــــــــــــــــــــــــــرُّهُ
إلى سَاحَةِ الإِعْدَامِ فاللهُ قَاصِمُـــــــــــــــــــــــهْ
فَتَسْقُطُ رَأْسُ الكَلْبِ عِنْدَ حِذَائِنَـــــا
ويُتْرَكُ مِنْ أجْلِ الشَّمَاتَةِ خَادِمُـــــــــــــــــــــهْ
* * *
مُحَمَّدُ ...
أَنْتَ احْتِرَامُ اليَمِينِ و أنْتَ انْبِعَاثُ اليَسَارِ الذي لَمْ تَخُنْهْ ...
مُحَمَّدُ ...
لَسْتُ أَقُولُ لِكُلِّ المُحِبِّينَ حَسْبُكَ مَا كُنْتَهُ بَلْ أَقُولُ لَهُمْ
إِنَّ حَسْبَكَ مَا كُنْتَهُ
وكذلكَ حَسْبُكَ مَا لَمْ تَكُنْهْ ...!
ولَمْ تَكُ يَوْمًا بَذِيئًا ولَمْ تَكُ يَوْمًا نَسِيّا ...
ولَمْ تَكُ يَوْمًا رَخِيصًا ولَمْ تَكُ يَوْمًا غَنِيّا ...
ولَمْ تَكُ في مَوْكِبِ العُهْرِ شَاهِدَ زُورٍ
ولَمْ تَكُ يَوْمًا شَقِيّا ...
ولَمْ تَكُ حِينَ تُعَدُّ الدَّنَانيرُ للخَائِنِينَ صَفِيّا ...
ولَمْ تَكُ يَوْمًا دَعِيّا ...
ولَمْ تَكُ يَوْمًا خَصِيّا ...
فَعِشْتَ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ اليَسَارِ نَبِيّا ...!
ومِتَّ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ اليَمينِ رَضِيّا ...!
* * *
تُجَمِّعُنَا اليَوْمَ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ لنَخْلُقَ قَوْسَ قُزَحْ ...
تُجَمِّعُنَا مِثْلَمَا كُنْتَ تَفْعَلُ دَوْمًا لنَعْزِفَ لَحْنَ الفَرَحْ ...
مُحَمَّدُ أَنْتَ الدَّليلْ ...
و أنْتَ الذي قَدْ رَسَمْتَ "البَديلْ" ...
وأنْتَ الهُدُوءُ الجَميلْ ...
وأنْتَ مُبَشِّرُنَا بانْتِهَاءِ الظَّلامِ الطَّويلْ ...
وأنْتَ الذي في الخِصَامِ نَبيلْ ...
مُحَمَّدُ ...
فِكْرُكَ في بَاطِنِ الأرْضِ جِذْرٌ
وفَوْقَ السَّمَاءِ يَلوحُ كَمَا سَعَفٍ للنَّخِيلْ ...
مُحَمَّدُ ...
فَالنِّيلُ يَرْنُو إِلَيْكَ كَطِفْلٍ يُؤَدِّي السَّلامَ لِشَيْخٍ جَليلْ ...!
* * *
أَقُولُ خِتَامًا :
رِثَاؤُكَ أَمْرٌ ثَقيلٌ كَريهْ ...!
أَقُولُ لَكُمْ ولِكُلِّ بَنِيهْ ...
قَضَى عُمْرَهُ في ادِّخَارِ الضِّيَاءِ ليَذْكُرَهُ مَنْ يَلِيهْ ...
مَوَائِدُهُ لَمْ تَزَلْ عَامِرَاتٍ ليَأْكَلَ منْهَا الوَجيهُ
ويَأْكُلُ مِنْهَا السَّفِيهْ ...
مَسِيرَتُهُ أَثْقَلَتْ عَاذِليهْ ...!
وسِيرَتُهُ أَثْكَلَتْ قَاتِلِيهْ ...!
تمت في القاهرة 11/11/ 2009
شعر : عبدالرحمن يوسف
__________________
السبت، 5 ديسمبر 2009
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)